فصل: تفسير الآيات رقم (71- 74)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏59- 64‏]‏

‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ‏(‏59‏)‏ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ‏(‏60‏)‏ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ‏(‏61‏)‏ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏62‏)‏ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ‏(‏63‏)‏ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏64‏)‏‏}‏

أشار سبحانه بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله‏}‏ إلخ إلى طريق أخرى غير ما تقدّم في إثبات النبوّة، وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض، وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء، مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم، فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله، ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده، ومعنى ‏{‏أرأيتم‏}‏‏:‏ أخبروني، و‏{‏مَا‏}‏ في محل نصب بأرأيتم المتضمن لمعنى أخبروني، وقيل‏:‏ إن ‏{‏ما‏}‏ في محل الرفع بالابتداء وخبرها ‏{‏آلله أذن لكم‏}‏ و‏{‏قل‏}‏ في قوله‏:‏ ‏{‏قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ‏}‏ تكرير للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر في محل نصب ب ‏{‏أرأيتم‏}‏ والمعنى‏:‏ أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق، فجعلتم منه حراماً وحلالاً، آلله أذن لكم في تحليله وتحريمه ‏{‏أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ‏}‏ وعلى الوجهين، فمن في ‏{‏منه حراماً‏}‏ للتبعيض، والتقدير‏:‏ فجعلتم بعضه حراماً وجعلتم بعضه حلالاً، وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في الكتاب العزيز؛ ومعنى إنزال الرزق‏:‏ كون المطر ينزل من جهة العلوّ، وكذلك يقضي الأمر في أرزاق العباد في السماء على ما قد ثبت في اللوح المحفوظ من ذكره سبحانه وتعالى، لكل شيء فيه‏.‏ وروى عن الزجاج أن ‏{‏ما‏}‏ في موضع نصب ب ‏{‏أنزل‏}‏، وأنزل بمعنى خلق، كما قال‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 6‏]‏ ‏{‏وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ‏}‏ ‏[‏الحديد‏:‏ 25‏]‏ وعلى هذا القول والقول الأوّل يكون قوله‏:‏ ‏{‏قُلِ الله أَذِنَ لَكُمْ‏}‏ مستأنفاً، قيل‏:‏ ويجوز أن تكون الهمزة في ‏{‏الله أَذِنَ لَكُمْ‏}‏ للإنكار، وأم منقطعة بمعنى‏:‏ بل أتفترون على الله، وإظهار الإسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال الافتراء‏.‏

وفي هذه الآية الشريفة ما يصكّ مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته، بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله، ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي‏.‏ ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم، وجعلوه شارعاً مستقلاً‏.‏ ما عمل به من الكتاب والسنة، فهو المعمول به عندهم‏.‏ وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه، أو فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه، فهو في حكم المنسوخ عندهم المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبّداً بهذه الشريعة، كما هم متعبدون بها ومحكوماً عليه بأحكامها، كما هو محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدّى ما عليه، وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة، ودليلاً معمولاً به‏.‏

وقد أخطئوا في هذا خطأ بيناً‏.‏ واغلطوا غلطاً فاحشاً‏.‏ فإن الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتمد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليداً له واقتداء به، وما جاء به المقلدة في تقوّم هذا الباطل، فهو من الجهل العاطل، اللهمّ كما رزقتنا من العلم ما نميز به بين الحق والباطل، فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير‏.‏

ثم قال‏:‏ ‏{‏وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب يَوْمَ القيامة‏}‏ أي‏:‏ أيّ شيء ظنهم في هذا اليوم، وما يصنع بهم فيه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحلّ بهم من عذاب الله، و‏{‏يوم القيامة‏}‏ منصوب بالظنّ، وذكر الكذب بعد الافتراء، مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً لزيادة التأكيد‏.‏ وقرأ عيسى بن عمر «وما ظنّ» على أنه فعل‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس‏}‏ يتفضل عليهم بأنواع النعم في الدنيا والآخرة ‏{‏ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ‏}‏ الله على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات، وطرفة من الطرفات‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ‏}‏ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، و‏"‏ ما ‏"‏ نافية، والشأن‏:‏ الأمر بمعنى القصد، وأصله الهمز، وجمعه شؤون‏.‏ قال الأخفش‏:‏ تقول العرب‏:‏ ما شأنت شأنه‏:‏ أي ما عملت عمله‏:‏ ‏{‏وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآن‏}‏ قال الفراء والزجاج‏:‏ الضمير في منه يعود على الشأن، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف‏:‏ أي تلاوة كائنة منه، إذ التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم؛ والمعنى‏:‏ أنه يتلو من أجل الشأن الذي حدّث القرآن، فيعلم كيف حكمه، أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك الشأن‏.‏ وقال ابن جرير الطبري‏:‏ الضمير عائد في ‏{‏منه‏}‏ إلى الكتاب‏:‏ أي ما يكون من كتاب الله من قرآن، وأعاده تفخيماً له كقوله‏:‏ ‏{‏إنني أَنَا الله‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 14‏]‏، والخطاب في ‏{‏وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ‏}‏ لرسول الله وللأمة، وقيل‏:‏ الخطاب لكفار قريش ‏{‏إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُم شُهُوداً‏}‏ استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال للمخاطبين‏:‏ أي شهوداً عليكم بعمله منكم، والضمير‏.‏ في ‏{‏فيه‏}‏ من قوله‏:‏ ‏{‏تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ عائد على العمل، يقال‏:‏ أفاض فلان في الحديث والعمل‏:‏ إذا اندفع فيه‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الضمير في ‏{‏فيه‏}‏ عائد على القرآن‏.‏ والمعنى‏:‏ إذ تشيعون في القرآن الكذب‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِى السماء‏}‏ قرأ الكسائي «يعزب» بكسر الزاي، وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان فصيحتان، ومعنى يعزب‏:‏ يغيب، وقيل يبعد‏.‏

وقال ابن كيسان‏:‏ يذهب، وهذه المعاني متقاربة، و«من» في ‏{‏مِن مّثْقَالِ‏}‏ زائدة للتأكيد‏:‏ أي وما يغيب عن ربك وزن ذرة‏.‏ أي‏:‏ نملة حمراء، وعبر بالأرض والسماء مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء، لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما، لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات، وقدّم الأرض على السماء؛ لأنها محل استقرار العالم فهم يشاهدون ما فيها من قرب، والواو في ‏{‏وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ‏}‏ لعطف على لفظ مثقال، وانتصبا لكونهما ممتنعين، ويجوز أن يكون العطف على ذرة؛ وقيل‏:‏ انتصابهما بلا التي لنفي الجنس، والواو للاستئناف، وليس من متعلقات وما يعزب، وخبر لا ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ والمعنى‏:‏ ولا أصغر من مثقال الذرّة ولا أكبر منه إلا وهو في كتاب مبين، فكيف يغيب عنه‏؟‏ وقرأ يعقوب وحمزة برفع أصغر وأكبر، ووجه ذلك أنه معطوف على محل من مثقال، ومحله الرفع، وقد أورد على توجيه النصب والرفع على العطف على لفظ مثقال ومحله، أو على لفظ ذرّة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية‏:‏ لا يعزب عنه شيء في الأرض، ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وهو محال‏.‏ وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة قسمان‏:‏ قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة، كخلق الملائكة والسموات والأرض؛ وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأوّل من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسلة العلية عن مرتبة الأوّل، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده، سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض‏:‏ الردّ على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات‏.‏ وأجيب أيضاً بأن الاستثناء منقطع‏:‏ أي لكن هو في كتاب مبين‏.‏ وذكر أبو علي الجرجاني أن «إلا» بمعنى الواو، على أن الكلام قد تمّ عند قوله‏:‏ ‏{‏وَلا أَكْبَرَ‏}‏ ثم وقع الابتداء بقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ أي‏:‏ وهو أيضاً في كتاب مبين‏.‏ والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون * إَلاَّ مَن ظَلَمَ‏}‏ ‏[‏النمل‏:‏ 10، 11‏]‏ يعني‏:‏ ومن ظلم، وقوله‏:‏ ‏{‏لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 150‏]‏ أي‏:‏ والذين ظلموا، وقدّر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَقُولُواْ حِطَّةٌ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 58‏]‏ أي‏:‏ هي حطة، ومثله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ ثلاثة‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 171‏]‏ ‏{‏وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ إن الرفع على الابتداء في قراءة من قرأ بالرفع، وخبره‏:‏ ‏{‏إِلاَّ فِى كتاب‏}‏ واختاره صاحب الكشاف، واختار في قراءة النصب التي قرأ بها الجمهور أنهما منصوبان بلا التي لنفي الجنس، واستشكل العطف بنحو ما قدّمنا‏.‏

ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء، وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين، وكسر لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين، فقال‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ الوليّ‏:‏ في اللغة‏:‏ القريب‏.‏ والمراد بأولياء الله‏:‏ خلص المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته‏.‏ وقد فسر سبحانه، هؤلاء الأولياء بقوله‏:‏ ‏{‏الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ‏}‏ أي‏:‏ يؤمنون بما يجب الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه، والمراد بنفي الخوف عنهم‏:‏ أنهم لا يخافون أبداً كما يخاف غيرهم؛ لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم، وانتهوا عن المعاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم، وحسن ظنّ بربهم، وكذلك لا يحزنون على فوت مطلب من المطالب، لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله وقدره، فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهمّ والكدر، فصدورهم منشرحة، وجوارحهم نشطة، وقلوبهم مسرورة، ومحل الموصول النصب على أنه بدل من أولياء أو الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أو هو مبتدأ وخبره لهم البشرى، فيكون غير متصل بما قبله، أو النصب أيضاً على المدح، أو على أنه وصف لأولياء‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِى الآخرة‏}‏ تفسير لمعنى كونهم أولياء الله‏:‏ أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلى أنبيائه، وينزله في كتبه، من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم، كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم، وكذلك ما يحصل لهم من الرؤيا الصالحة، وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم‏:‏ لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة؛ وأما البشرى في الآخرة، فتلقى الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب‏.‏ والبشرى مصدر أريد به المبشر به، والظرفان في محل نصب على الحال‏:‏ أي حال كونهم في الدنيا، وحال كونهم في الآخرة، ومعنى‏:‏ ‏{‏لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله‏}‏ لا تغيير لأقواله على العموم، فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولاً أوّلياً، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين في الدارين ‏{‏هُوَ الفوز العظيم‏}‏ الذي لا يقادر قدره، ولا يماثله غيره، والجملتان‏:‏ أعني ‏{‏لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله‏}‏ و‏{‏ذلك هُوَ الفوز العظيم‏}‏ اعتراض في آخر الكلام عند من يجوّزه، وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، أو الأولى‏:‏ اعتراضية، والثانية‏:‏ تذييلية‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ‏}‏ قال‏:‏ هم أهل الشرك كانوا يحلون من الأنعام والحرث، ما شاءوا ويحرّمون ما شاءوا‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، في قوله‏:‏ ‏{‏إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ قال‏:‏ إذ تفعلون‏.‏ وأخرج الفريابي، وابن جرير، عن مجاهد، مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن السديّ، في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ‏}‏ قال‏:‏ لا يغيب عنه وزن ذرّة ‏{‏وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ‏}‏ قال‏:‏ هو الكتاب الذي عند الله‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن زيد، في قوله‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله‏}‏ قيل‏:‏ من هم يا ربّ‏؟‏ قال‏:‏ هم ‏{‏الذين آمنوا وكانوا يتقون‏}‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، قال‏:‏ هم الذين إذا رؤوا ذكر الله‏.‏ وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والضياء في المختارة، عن ابن عباس، مرفوعاً وموقوفاً قال‏:‏ هم الذين إذا رؤوا يذكر الله لرؤيتهم‏.‏ وأخرج عنه ابن المبارك، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه مرفوعاً، مثله‏.‏ وأخرجه ابن المبارك، وابن شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن سعيد بن جبير، مرفوعاً وهو مرسل‏.‏ وروي نحوه من طرق أخرى مرفوعاً وموقوفاً‏.‏ وأخرج أحمد، والحكيم الترمذي، عن عمرو بن الجموح، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ «لا يحقّ العبد حقّ صريح الإيمان حتى يحبّ لله ويبغض لله، فإذا أحبّ لله وأبغض لله فقد استحقّ الولاء من الله، وإنّ أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشرار عباده المشاءون بالنميمة المفرّقون بين الأحبة الباغون البرآء العنت» وأخرج الحكيم الترمذي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «خياركم من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، ورغبكم في الآخرة عمله» وأخرج الحكيم الترمذي، عن ابن عباس، مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن عمر، مرفوعاً‏:‏ «إن لله عباداً ليسوا بالأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه»، فجثا أعرابي على ركبتيه فقال‏:‏ يا رسول الله صفهم لنا حلهم لنا‏؟‏ قال‏:‏ «قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل، تصافوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم‏.‏ يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»

وأخرج أبو داود، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ وإسناده جيد‏.‏ وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج أحمد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي، عن أبي مالك الأشعري مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله ‏{‏أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله‏}‏ الآية فقال‏:‏ «الذين يتحابون في الله» وأخرج ابن مردويه، عن جابر، مرفوعاً مثله‏.‏ وقد ورد في فضل المتحابين في الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأحمد، والترمذي وحسنه، والحكيم في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مرودويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر قال‏:‏ سألت أبا الدرداء عن معنى قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا‏}‏ فقال‏:‏ ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ «ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت عليّ‏:‏ هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له، فهي بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة»، وفي إسناده هذا الرجل المجهول‏.‏ وأخرج أبو داود الطيالسي، وأحمد، والدارمي، والترمذي، وابن ماجه، والحكيم الترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي، عن عبادة بن الصامت قال‏:‏ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا‏}‏ قال‏:‏ «هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» وأخرج أحمد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا‏}‏ قال‏:‏ «الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوّة، فمن رأى ذلك فليخبر بها» الحديث‏.‏ وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال‏:‏ «هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، وفي الآخرة الجنة» وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن منده، من طريق أبي جعفر، عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر البشرى في الحياة الدنيا بالرؤيا الحبيبة، وفي الآخرة ببشارة المؤمن عند الموت‏:‏ إن الله قد غفر لك ولمن حملك إلى قبرك‏.‏

وأخرج ابن مردويه، عنه، مرفوعاً مثل حديث جابر‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن ابن مسعود، مرفوعاً الشطر الأوّل من حديث جابر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، عن ابن عباس، مثله‏.‏ وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من المبشرات، وأنها جزء من أجزاء النبوّة، ولكنها لم تقيد بتفسير هذه الآية‏.‏ وقد روي أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله‏:‏ ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 47‏]‏ أخرج ذلك ابن جرير، وابن المنذر، من طريق عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عنه، من طريق مقسم أنها قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 30‏]‏‏.‏ وأخرج ابن جرير، والحاكم، والبيهقي عن نافع، قال‏:‏ خطب الحجاج فقال‏:‏ إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقال ابن عمر‏:‏ لا تستطيع ذلك أنت ولا ابن الزبير، ‏{‏لا تبديل لكلمات الله‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏65- 70‏]‏

‏{‏وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ‏(‏65‏)‏ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ‏(‏66‏)‏ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ‏(‏67‏)‏ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏68‏)‏ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ‏(‏69‏)‏ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏70‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ‏}‏‏:‏ نهى للنبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن‏:‏ للطعن عليه وتكذيبه، والقدح في دينه‏.‏ والمقصود‏:‏ التسلية له والتبشير‏.‏ ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معللاً لما ذكره من النهي لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً‏}‏ أي‏:‏ الغلبة والقهر له في مملكته وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له، فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة، وهم لا يملكون من الغلبة شيئاً‏.‏ وقرئ «يحزنك» من أحزنه‏.‏ وقرئ «أن العزة» بفتح الهمزة على معنى، لأن العزّة لله، ولا ينافي ما في هذه الآية من جعل العزّة جميعها لله تعالى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ ‏[‏المنافقون‏:‏ 8‏]‏ لأن كل عزّة بالله، فهي‏:‏ كلها لله‏.‏ ومنه قوله‏:‏ ‏{‏كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 51‏]‏‏.‏

‏{‏أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض‏}‏ ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرّف فيهم كيف يشاء، فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، وغلب العقلاء على غيرهم؛ لكونهم أشرف‏.‏ وفي الآية نعي على عباد البشر، والملائكة والجمادات؛ لأنهم عبدوا المملوك، وتركوا المالك، وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء‏}‏ والمعنى‏:‏ أنهم وإن سموا معبوداتهم شركاء لله، فليست شركاء له على الحقيقة، لأن ذلك محال‏:‏ ‏{‏لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 22‏]‏ و‏"‏ ما ‏"‏ في و‏{‏ما يتبع‏}‏ نافية وشركاء مفعول يتبع، وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفاً، والأصل‏:‏ وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء في الحقيقة‏:‏ إنما هي‏:‏ أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول ‏{‏يدعون‏}‏، وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن تكون استفهامية بمعنى‏:‏ أيّ شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، ويكون على هذا الوجه ‏{‏شركاء‏}‏ منصوباً ب ‏{‏يدعون‏}‏، والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم، والإزراء عليهم‏.‏ ويجوز أن تكون ‏"‏ ما ‏"‏ موصولة معطوفة على ‏{‏من في السموات‏}‏‏:‏ أي لله من في السموات، ومن في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء؛ والمعنى‏:‏ أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السموات ومن في الأرض‏.‏ ثم زاد سبحانه في تأكيد الردّ عليهم، والدفع لأقوالهم، فقال‏:‏ ‏{‏إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن‏}‏ أي‏:‏ ما يتبعون يقيناً إنما يتبعون ظناً، والظنّ لا يغني من الحق شيئاً ‏{‏إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ‏}‏ أي‏:‏ يقدرون أنهم شركاء تقديراً باطلاً، وكذباً بحتاً، وقد تقدّمت هذه الآية في الأنعام‏.‏

ثم ذكر سبحانه طرفاً من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه، فقال‏:‏ ‏{‏هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً‏}‏ أي‏:‏ جعل لعباده الزمان منقسماً إلى قسمين‏:‏ أحدهما‏:‏ مظلم وهو‏:‏ الليل؛ لأجل يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب، ويريحون أنفسهم عن الكدّ والكسب‏.‏ والآخر‏:‏ مبصر، لأجل يسعون فيه بما يعود على نفعهم، وتوفير معايشهم، ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير، لا يخفى عليهم فيه كبير ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصراً مجاز‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه مبصر صاحبه كقولهم‏:‏ نهاره صائم، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِى ذَلِكَ‏}‏ إلى الجعل المذكور ‏{‏لآيَاتٍ‏}‏ عجيبة كثيرة ‏{‏لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ‏}‏ أي‏:‏ يسمعون ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها، ومن غيرها مما لم يذكره، فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون، فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه هُوَ الغني‏}‏ هذا نوع آخر من أباطيل المشركين التي كانوا يتكلمون بها، وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ ولداً، فردّ ذلك عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏سبحانه هُوَ الغني‏}‏ فتنزّه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين، وبين أنه غنيّ عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب للحاجة‏.‏ والغنيّ المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض، ليقوم الولد مقامه، والأزليّ القديم لا يفتقر إلى ذلك‏.‏ وقد تقدّم تفسير الآية في البقرة‏.‏ ثم بالغ في الردّ عليهم بما هو كالبرهان، فقال‏:‏ ‏{‏لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض‏}‏، وإذا كان الكل له، وفي ملكه، فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولداً له للمنافاة بين الملك والبنوّة والأبوّة‏.‏ ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا دليل فقال‏:‏ ‏{‏إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا‏}‏ أي‏:‏ ماعندكم من حجة وبرهان بهذا القول الذي تم لونه، و«من» في‏:‏ ‏{‏مّن سلطان‏}‏ زائدة للتأكيد، والجار والمجرور في ‏{‏بهذا‏}‏ متعلق إما بسلطان، لأنه بمعنى الحجة والبرهان، أو متعلق بما عندكم لما فيه من معنى الاستقرار‏.‏ ثم وبخهم على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء فقال‏:‏ ‏{‏أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْمَلُونَ‏}‏، ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه، ليس هو من العلم في شيء، بل من الجهل المحض‏.‏

ثم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم قولاً يدلّ على أن ما قالوه كذب، وأن من كذب على الله لا يفلح، فقال‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏ أي‏:‏ كل مفتر هذا شأنه، ويدخل فيه هؤلاء دخولاً أوّلياً‏.‏

وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز‏.‏ والمعنى‏:‏ أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب‏.‏ ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة، فهو متاع قليل في الدنيا، ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذاباً مؤبّداً‏.‏ فيكون ‏{‏متاع‏}‏ خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة لبيان أن ما يحصل للمفترى بافترائه ليس بفائدة يعتدّ بها، بل هو متاع يسير في الدنيا، يتعقبه العذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على الله‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ إن التقدير‏:‏ لهم متاع في الدنيا، فيكون المحذوف على هذا هو الخبر‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ التقدير ذلك متاع أو هو متاع، فيكون المحذوف على هذا هو المبتدأ‏.‏

وقد أخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال‏:‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحْزُنكَ‏}‏‏:‏ لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه من الله فيما يعاتبه‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم‏}‏ يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزّته لانتصر منهم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏والنهار مُبْصِراً‏}‏ قال‏:‏ منيراً‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن الحسن، في قوله‏:‏ ‏{‏إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا‏}‏ يقول‏:‏ ما عندكم سلطان بهذا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏71- 74‏]‏

‏{‏وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ‏(‏71‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏72‏)‏ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏73‏)‏ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ‏(‏74‏)‏‏}‏

لما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبهة المنهارة؛ شرع في ذكر قصص الأنبياء، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏{‏واتل عَلَيْهِمْ‏}‏ أي‏:‏ على الكفار المعاصرين لك، المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة ‏{‏نَبَأَ نُوحٍ‏}‏ أي‏:‏ خبره، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن، والمراد‏:‏ ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به، كما فعله كفار قريش وأمثالهم‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ‏}‏ أي‏:‏ وقت قال لقومه، والظرف منصوب بنبأ أو بدل منه بدل اشتمال، واللام في ‏{‏لِقَوْمِهِ‏}‏ لام التبليغ ‏{‏ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى‏}‏ أي‏:‏ عظم وثقل، والمقام بفتح الميم‏:‏ الموضع الذي يقام فيه، وبالضم الإقامة‏.‏ وقد اتفق القراء على الفتح، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان‏:‏ أي لأجله‏.‏ ومنه‏:‏ ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 46‏]‏ أي‏:‏ خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام‏:‏ المكث‏:‏ أي‏:‏ شقّ عليكم مكثي بين أظهركم، ويجوز أن يراد بالمقام‏:‏ القيام؛ لأن الواعظ يقوم حال وعظه؛ والمعنى‏:‏ إن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم، وكبر عليكم تذكيري لكم ‏{‏بِآيَاتِ الله‏}‏ التكوينية والتنزيلية، ‏{‏فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ‏}‏ هذه الجملة جواب الشرط، والمعنى‏:‏ إني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديماً وحديثاً‏.‏ ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة عن مراتب التوكل، ويجوز أن يكون جواب الشرط ‏{‏فَأَجْمِعُواْ‏}‏ وجملة ‏{‏فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ‏}‏ اعتراض، كقولك‏:‏ إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ‏}‏ اعتزموا عليه، من أجمع الأمر‏:‏ إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء‏:‏ وروي عن الفراء أنه قال‏:‏ أجمع الشيء‏:‏ أعدّه، وقال مؤرّج السدوسي‏:‏ أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه، وأنشد‏:‏

يا ليت شعري والمنى لا تنفع *** هل أغدون يوماً وأمري مجمع

وقال أبو الهيثم‏:‏ أجمع أمره‏:‏ جعله جميعاً بعدما كان متفرّقاً، وتفرّقه أن تقول مرّة أفعل كذا، ومرّة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه‏:‏ أي جعله جميعاً، فهذا هو الأصل في الإجماع، ثم صار بمعنى العزم، وقد اتفق جمهور القراء على نصب «شركاءكم» وقطع الهمزة من أجمعوا‏.‏ وقرأ يعقوب، وعاصم الجحدري بهمزة وصل في ‏{‏أجمعوا‏}‏، على أنه من جمع يجمع جمعاً‏.‏ وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، ويعقوب «وشركاؤكم» بالرفع‏.‏ قال النحاس‏:‏ وفي نصب الشركاء على قراءة الجمهور ثلاثة أوجه‏:‏ الأوّل‏:‏ بمعنى‏:‏ وادعوا شركاءكم، قاله‏:‏ الكسائي والفراء، أي ادعوهم لنصرتكم، فهو على هذا منصوب بفعل مضمر‏.‏ وقال محمد بن يزيد المبرد‏:‏ هو معطوف على المعنى، كما قال الشاعر‏:‏

يا ليت زوجك في الوغى *** متقلداً سيفاً ورمحاً

والرمح لا يتقلد به، لكنه محمول كالسيف‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ المعنى مع شركائكم، فالواو على هذا واو مع‏.‏ وأما على قراءة ‏"‏ اجمعوا ‏"‏ بهمزة وصل فالعطف ظاهر‏:‏ أي اجمعوا أمركم، واجمعوا شركاءكم‏.‏ وأما توجيه قراءة الرفع، فعلى عطف الشركاء على الضمير المرفوع في ‏{‏أجمعوا‏}‏، وحسن هذا العطف مع عدم التأكيد بمنفصل كما هو المعتبر في ذلك أن الكلام قد طال‏.‏ قال النحاس وغيره‏:‏ وهذه القراءة بعيدة؛ لأنه لو كان ‏{‏شركاءكم‏}‏ مرفوعاً لرسم في المصحف بالواو، وليس ذلك موجوداً فيه، قال المهدوي‏:‏ ويجوز أن يرتفع الشركاء بالابتداء، والخبر محذوف‏:‏ أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل، لقصد التوبيخ، والتقريع لمن عبدها‏.‏ وروي عن أبيّ أنه قرأ‏:‏ «وادعوا شركاءكم» بإظهار الفعل‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً‏}‏ الغمة‏:‏ التغطية من قولهم، غمّ الهلال‏:‏ إذا استتر، أي‏:‏ ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً، قال طرفة‏:‏

لعمرك ما أمري عليّ بغمة *** نهاري ولا ليلي عليّ بسرمد

هكذا قال الزجاج، وقال الهيثم‏:‏ معناه لا يكن أمركم عليكم مبهماً‏.‏ وقيل‏:‏ إن الغمة‏:‏ ضيق الأمر، كذا روي عن أبي عبيدة‏.‏ والمعنى‏:‏ لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقاً شديداً، بل ادفعوا هذا الضيق والشدّة بما شئتم، وقدرتم عليه، وعلى الوجهين الأوّلين‏:‏ يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول، وعلى الثالث‏:‏ يكون المراد به غيره‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ‏}‏ أي ذلك الأمر الذي تريدونه بي، وأصل اقضوا‏:‏ من القضاء، وهو الإحكام، والمعنى‏:‏ أحكموا ذلك الأمر‏.‏ قال الأخفش والكسائي‏:‏ هو مثل‏:‏ ‏{‏وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر‏}‏ ‏[‏الحجر‏:‏ 66‏]‏ أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه، ثم ‏{‏لا تنظرون‏}‏‏:‏ أي لا تمهلون، بل عجلوا أمركم واصنعوا ما بدا لكم، وقيل معناه‏:‏ ثم امضوا إليّ ولا تؤخرون، قال النحاس‏:‏ هذا قول صحيح في اللغة، ومنه قضى الميت‏:‏ مضى، وحكى الفراء عن بعض القراء أنه قرأ «ثم أفضوا» بالفاء وقطع الهمزة، أي توجهوا، وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدلّ على وثوقه بنصر ربه، وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه‏.‏

ثم بيّن لهم أن كل ما أتى به إليهم من الإعذار والإنذار، وتبليغ الشريعة عن الله، ليس هو لطمع دنيويّ، ولا لغرض خسيس، فقال‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ‏}‏ أي‏:‏ إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم، وتذكيري إياكم، فما سألتكم في مقابلة ذلك من أجر تؤدّونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به، والفاء في ‏{‏فَإِن تَوَلَّيْتُمْ‏}‏ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والفاء في ‏{‏فَمَا سَأَلْتُكُمْ‏}‏ جزائية ‏{‏إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله‏}‏ أي‏:‏ ما ثوابي في النصح والتذكير إلا عليه سبحانه، فهو يثيبني آمنتم أو توليتم‏.‏

قرأ أهل المدينة، وأبو عمر، وابن عامر، وحفص، بتحريك الياء من ‏{‏أجري‏}‏، وقرأ الباقون بالسكون ‏{‏وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين‏}‏ المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه، لا يأخذون عليها أجراً ولا يطمعون في عاجل‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك‏}‏ أي‏:‏ استمروا على تكذيبه أصرّوا على ذلك، وليس المراد أنهم أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن، والمراد بمن معه‏:‏ من قد أجابه وصار على دينه، والخلائف جمع خليفة، والمعنى‏:‏ أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق، ويخلفونهم فيها ‏{‏وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا‏}‏ من الكفار المعاندين لنوح، الذين لم يؤمنوا به أغرقهم الله بالطوفان ‏{‏فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين‏}‏ فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتهديد للمشركين، وتهويل عليهم‏.‏

‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ‏}‏ أي‏:‏ من بعد نوح ‏{‏رُسُلاً‏}‏ كهود وصالح، وإبراهيم ولوط، وشعيب ‏{‏فَجَاءوهُم بالبينات‏}‏ أي‏:‏ بالمعجزات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها الله لقوم كل نبيّ ‏{‏فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ أي‏:‏ فما أحدثوا الإيمان بل استمرّوا على الكفر وأصرّوا عليه، والمعنى‏:‏ أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات ‏{‏بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ‏}‏ أي‏:‏ من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجيء الرسل إليهم، والمعنى‏:‏ أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم؛ لأنهم كانوا غير مؤمنين، بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا مبنيّ على أن الضمير في ‏{‏فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ وفي‏:‏ ‏{‏بِمَا كَذَّبُواْ‏}‏ راجع إلى القوم المذكورين في قوله‏:‏ ‏{‏إلى قَوْمِهِمْ‏}‏ وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏كذبوا‏}‏ راجع إلى قوم نوح‏:‏ أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح من قبل أن يأتي هؤلاء الأقوام الذين جاءوا من بعدهم ‏{‏وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات‏}‏ وقيل‏:‏ إن الباء في ‏{‏بما كذبوا به من قبل‏}‏ للسببية، أي فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بسبب ما اعتادوه من تكذيب الحق من قبل مجيئهم، وفيه نظر‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ بما كذبوا به من قبل‏:‏ أي في عالم الذرّ فإن فيهم من كذب بقلبه، وإن آمنوا ظاهراً‏.‏ قال النحاس‏:‏ ومن أحسن ما قيل‏:‏ إنه لقوم بأعيانهم ‏{‏كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين‏}‏ أي‏:‏ مثل ذلك الطبع العظيم نطبع على قلوب المتجاوزين للحدّ المعهود في الكفر، وقد تقدّم تفسير هذا في غير موضع‏.‏

وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن الأعرج، في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ‏}‏ يقول‏:‏ فأحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم‏.‏ وأخرج أيضاً عن الحسن في الآية أي‏:‏ فليجمعوا أمرهم معكم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً‏}‏ قال‏:‏ لا يكبر عليكم أمركم ‏{‏ثُمَّ اقضوا‏}‏ ما أنتم قاضون‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اقضوا‏}‏ قال‏:‏ انهضوا ‏{‏إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ‏}‏ يقول‏:‏ ولا تؤخرون‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 87‏]‏

‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ‏(‏75‏)‏ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏76‏)‏ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ‏(‏77‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ‏(‏78‏)‏ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ‏(‏79‏)‏ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ‏(‏80‏)‏ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏81‏)‏ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏82‏)‏ فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ‏(‏83‏)‏ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ‏(‏84‏)‏ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ‏(‏85‏)‏ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ‏(‏86‏)‏ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏87‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم‏}‏ معطوف على قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً‏}‏ والضمير في‏:‏ ‏{‏من بعدهم‏}‏، راجع إلى الرسل المتقدّم ذكرهم، وخصّ موسى وهارون بالذكر مع دخولهما تحت الرسل لمزيد شرفهما، وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون، والمراد بالملأ‏:‏ الأشراف، والمراد بالآيات‏:‏ المعجزات، وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز ‏{‏فاستكبروا‏}‏ عن قبولها، ولم يتواضعوا لها، ويذعنوا لما اشتملت عليه من المعجزات الموجبة لتصديق ما جاء بها‏.‏ ‏{‏وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ‏}‏ أي‏:‏ كانوا ذوي إجرام عظام، وآثام كبيرة، فبسبب ذلك اجترءوا على ردّها؛ لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق، وإبصار الصواب‏.‏ قيل‏:‏ وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ أي‏:‏ فلما جاء فرعون وملأه الحق من عند الله، وهو‏:‏ المعجزات، لم يؤمنوا بها بل حملوها على السحر مكابرة منهم، فردّ عليهم موسى قائلاً‏:‏ ‏{‏أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هذا‏}‏ قيل‏:‏ في الكلام حذف، والتقدير‏:‏ أتقولون للحقّ سحر فلا تقولوا ذلك، ثم استأنف إنكاراً آخر من جهة نفسه فقال‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ فحذف قولهم الأوّل اكتفاء بالثاني، والملجئ إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ بل هم قاطعون بأنه سحر؛ لأنهم قالوا‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ فحينئذ لا يكون قوله‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ من قولهم، وقال الأخفش‏:‏ هو من قولهم، وفيه نظر لما قدّمنا، وقيل معنى‏:‏ ‏{‏أَتَقُولُونَ‏}‏‏:‏ أتعيبون الحقّ وتطعنون فيه، وكان عليكم أن تذعنوا له، ثم قال أسحر هذا، منكراً لما قالوه‏.‏ وقيل‏:‏ إن مفعول ‏{‏أَتَقُولُونَ‏}‏ محذوف، وهو ما دلّ عليه قولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لساحر‏}‏ والتقدير‏:‏ أتقولون ما تقولون، يعني‏:‏ قولهم إن هذا لسحر مبين، ثم قيل‏:‏ أسحر هذا، وعلى هذا التقدير والتقدير الأوّل فتكون جملة ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ مستأنفة من جهة موسى عليه السلام، والاستفهام‏:‏ للتقريع والتوبيخ، بعد الجملة الأولى المستأنفة الواقعة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ ماذا قال لهم موسى لما قالوا إن هذا لسحر مبين‏؟‏ فقيل‏:‏ قال‏:‏ أتقولون للحق لما جاءكم، على طريقة الاستفهام الإنكاري، والمعنى‏:‏ أتقولون للحق لما جاءكم إنّ هذا لسحر مبين، وهو أبعد شيء من السحر‏.‏ ثم أنكر عليهم، وقرّعهم، ووبخهم، فقال‏:‏ ‏{‏أَسِحْرٌ هذا‏}‏ فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار، وتوبيخ بعد توبيخ، وتجهيل بعد تجهيل، وجملة‏:‏ ‏{‏وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون‏}‏ في محل نصب على الحال‏:‏ أي أتقولون للحق إنه سحر، والحال‏:‏ أنه لا يفلح الساحرون، فلا يظفرون بمطلوب، ولا يفوزون بخير، ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة‏؟‏

وجملة‏:‏ ‏{‏قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا‏}‏ مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ فماذا قالوا بعد أن قال لهم موسى ما قال‏؟‏ وفي هذا ما يدلّ على أنهم انقطعوا عن الدليل، وعجزوا عن إبراز الحجة، ولم يجحدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجئوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة، وهو‏:‏ الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم، وسبب مكابرتهم للحق، وجحودهم للآيات البينة، وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها، وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا، وكم بقي على الباطل، وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في سابق الدهر ولاحقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة، وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت، يقال‏:‏ لفته لفتاً‏:‏ إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه، ومنه قول الشاعر‏:‏

تلفت نحو الحيّ حتى رأيتني *** وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدعا

أي‏:‏ تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا، وهو عبادة الأصنام، والمراد بالكبرياء‏:‏ الملك، قال الزجاج‏:‏ سمي الملك كبرياء؛ لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا؛ وقيل سمي بذلك؛ لأن الملك يتكبر‏.‏

والحاصل‏:‏ أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين‏:‏ التمسك بالتقليد للآباء، والحرص على الرياسة الدنيوية؛ لأنهم إذا أجابوا النبي وصدّقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه ولم يبق للملك رئاسة تامة؛ لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك هم بالسياسات والعادات، ثم قالوا‏:‏ ‏{‏وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ تصريحاً منهم بالتكذيب، وقطعاً للطمع في إيمانهم، وقد أفرد الخطاب لموسى في قولهم‏:‏ ‏{‏أجئتنا لتلفتنا‏}‏، ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطاب في قولهم‏:‏ ‏{‏وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِي الأرض وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ‏}‏ ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى، لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن الله ما شرعه لهم، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين؛ لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم، ولكون ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرّت القصة في الأعراف‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتونى بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ‏}‏ قال هكذا لما رأى اليد البيضاء والعصا، لأنه اعتقد أنهما من السحر، فأمر قومه بأن يأتوه بكل ساحر عليم، هكذا قرأ حمزة والكسائي، وابن وثاب، والأعمش «سحار»‏.‏ وقرأ الباقون‏:‏ ‏{‏ساحر‏}‏ وقد تقدّم الكلام على هذا في الأعراف، والسحار صيغة مبالغة‏:‏ أي كثير السحر، كثير العلم بعمله وأنواعه ‏{‏فَلَمَّا جَاء السحرة‏}‏ في الكلام حذف، والتقدير هكذا‏:‏ وقال فرعون ائتوني بكل سحار عليم، فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة، فتكون الفاء للعطف على المقدّر المحذوف‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ‏}‏ أي‏:‏ قال لهم هذه المقالة بعد أن قالوا له‏:‏ إما أن تلقي، وإما أن نكون نحن الملقون‏:‏ أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم ‏{‏فَلَمَّا أَلْقُوْاْ‏}‏ ما ألقوه من ذلك ‏{‏قَالَ‏}‏ لهم ‏{‏موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر‏}‏ أي‏:‏ الذي جئتم به السحر، على أن ‏"‏ ما ‏"‏ موصولة مبتدأ والخبر السحر؛ والمعنى‏:‏ أنه سحر، لا أنه آية من آيات الله‏.‏ وأجاز الفراء نصب السحر ب ‏{‏جئتم‏}‏، وتكون ‏"‏ ما ‏"‏ شرطية، والشرط‏:‏ ‏"‏ جئتم ‏"‏، والجزاء‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ‏}‏ على تقدير الفاء‏:‏ أي فإن الله سيبطله؛ وقيل‏:‏ إن السحر منتصب على المصدر‏:‏ أي ما جئتم به سحراً، ثم دخلت الألف واللام، فلا يحتاج على هذا إلى حذف الفاء، واختاره النحاس‏.‏ وقال‏:‏ حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وأبو جعفر «آلسحر» على أن الهمزة للاستفهام، والتقدير‏:‏ أهو السحر، فتكون ‏"‏ ما ‏"‏ على هذه القراءة استفهامية‏.‏ وقرأ أبيّ «ما أتيتم به سحر إن الله سيبطله» أي‏:‏ سيمحقه، فيصير باطلاً بما يظهره على يديّ من الآيات المعجزة ‏{‏إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين‏}‏ أي‏:‏ عمل هذا الجنس، فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد، ويدخل فيه السحر والسحرة دخولاً أوّلياً، والواو في ‏{‏وَيُحِقُّ الله الحق‏}‏ للعطف على سيبطله، أي يبينه ويوضحه ‏{‏بكلماته‏}‏ التي أنزلها في كتبه على أنبيائه، لاشتمالها على الحجج والبراهين ‏{‏وَلَوْ كَرِهَ المجرمون‏}‏ من آل فرعون، أو المجرمون على العموم، ويدخل تحتهم آل فرعون دخولاً أوّلياً، والإجرام‏:‏ الآثام‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فَمَا ءامَنَ لموسى إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ‏}‏ الضمير يرجع إلى موسى‏:‏ أي من قوم موسى، وهم طائفة من ذراري بني إسرائيل‏.‏ وقيل‏:‏ المراد‏:‏ طائفة من ذراري فرعون، فيكون الضمير عائداً على فرعون‏.‏ قيل‏:‏ ومنهم مؤمن آل فرعون وامرأته، وماشطة ابنته، وامرأة خازنه‏.‏ وقيل‏:‏ هم قوم آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، روي هذا عن الفراء ‏{‏على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِم‏}‏ الضمير لفرعون، وجمع لأنه لما كان جباراً جمعوا ضميره تعظيماً له‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوم فرعون سموا بفرعون مثل ثمود، فرجع الضمير إليهم بهذا الاعتبار‏.‏ وقيل‏:‏ إنه عائد على مضاف محذوف، والتقدير‏:‏ على خوف من آل فرعون، وروي هذا عن الفراء‏.‏ ومنع ذلك الخليل، وسيبويه، فلا يجوز عندهما‏:‏ قامت هند وأنت تريد غلامها‏.‏ وروي عن الأخفش أن الضمير يعود على الذرية، وقوّاه النحاس‏:‏ ‏{‏أَن يَفْتِنَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يصرفهم عن دينهم بالعذاب الذي كان ينزله بهم، وهو بدل اشتمال‏.‏ ويجوز أن يكون في موضع نصب بالمصدر ‏{‏وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض‏}‏ أي‏:‏ عات متكبر، متغلب على أرض مصر ‏{‏وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين‏}‏ المجاوزين للحد في الكفر، وما يفعله من القتل والصلب، وتنويع العقوبات‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ موسى يا قَوْمٍ إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ‏}‏ قيل‏:‏ إن هذا من باب التكرير للشرط، فشرط في التوكل على الله الإيمان به والإسلام‏:‏ أي الاستسلام لقضائه وقدره‏.‏ وقيل‏:‏ إن هذا ليس من تعليق الحكم بشرطين بل المعلق بالإيمان هو وجوب التوكل، والمشروط بالإسلام وجوده، والمعنى‏:‏ أن يسلموا أنفسهم لله‏:‏ أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها؛ لأن التوكل لا يكون مع التخليط‏.‏ قال في الكشاف‏:‏ ونظيره في الكلام‏:‏ إن ضربك زيد فاضربه، إن كانت لك به قوّة ‏{‏فَقَالُواْ‏}‏ أي‏:‏ قوم موسى مجيبين له ‏{‏عَلَى الله تَوَكَّلْنَا‏}‏ ثم دعوا الله مخلصين، فقالوا‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً‏}‏ أي‏:‏ موضع فتنة ‏{‏لّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ والمعنى‏:‏ لا تسلطهم علينا، فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، ولا تجعلنا فتنة لهم، يفتنون بنا غيرنا، فيقولون لهم‏:‏ لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم وعذبناهم، وعلى المعنى الأوّل‏:‏ تكون الفتنة بمعنى المفتون‏.‏ ولما قدّموا التضرّع إلى الله سبحانه في أن يصون دينهم عن الفساد، أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم، فقالوا‏:‏ ‏{‏وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين‏}‏ وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا‏}‏ «أن» هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أن تبوّآ‏:‏ أي‏:‏ اتخذوا لقومكما بمصر بيوتاً؛ يقال‏:‏ بوّأت زيداً مكاناً، وبوّأت لزيد مكاناً، والمبوأ‏:‏ المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلاً‏:‏ أي ألزمه إياه، وأسكنه فيه، ومنه الحديث‏:‏ «من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» ومنه قول الراجز‏:‏

نحن بنو عدنان ليس شك *** تبوّأ المجد بنا والملك

قيل‏:‏ ومصر في هذه الآية هي الإسكندرية، وقيل‏:‏ هي مصر المعروفة، لا الإسكندرية ‏{‏واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً‏}‏ أي‏:‏ متوجهة إلى جهة القبلة، قيل‏:‏ والمراد بالبيوت هنا‏:‏ المساجد، وإليه ذهب جماعة من السلف‏.‏ وقيل المراد بالبيوت‏:‏ التي يسكنون فيها، أمروا بأن يجعلوها منا قبلة، والمراد بالقبلة على القول الأوّل‏:‏ هي جهة بيت المقدس، وهو‏:‏ قبلة اليهود إلى اليوم‏.‏ وقيل‏:‏ جهة الكعبة، وأنها كانت قبلة موسى ومن معه؛ وقيل‏:‏ المراد أنهم يجعلون بيتهم مستقبلة للقبلة، ليصلوا فيها سرّاً لئلا يصيبهم من الكفار معرّة بسبب الصلاة، ومما يؤيد هذا قوله‏:‏ ‏{‏وَأَقِيمُواْ الصلاة‏}‏ أي‏:‏ التي أمركم الله بإقامتها، فإنه يفيد أن القبلة هي قبلة الصلاة، إما في المساجد أو في البيوت، لا جعل البيوت متقابلة، وإنما جعل الخطاب في أوّل الكلام مع موسى وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في قوله‏:‏ ‏{‏واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصلاة‏}‏ ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك، فقال‏:‏ ‏{‏وَبَشّرِ المؤمنين‏}‏ لأن اختيار المكان مفوّض إلى الأنبياء، ثم جعل عاماً في استقبال القبلة وإقامة الصلاة، لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء، ثم جعل خاصاً بموسى؛ لأنه الأصل في الرسالة، وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيماً للبشارة وللمبشر بها‏.‏

وقيل‏:‏ إن الخطاب في ‏{‏وبشّر المؤمنين‏}‏ لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، على طريقة الالتفات والاعتراض، والأوّل‏:‏ أولى‏.‏

وقد أخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏لِتَلْفِتَنَا‏}‏ قال‏:‏ لتلوينا‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ، قال‏:‏ لتصدّنا عن آلهتنا، وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِى الأرض‏}‏ قال‏:‏ العظمة والملك والسلطان‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَا ءامَنَ لموسى إِلاَّ ذُرّيَّةٌ‏}‏ قال‏:‏ الذرية‏:‏ القليل‏.‏ وأخرج هؤلاء، عنه، في قوله‏:‏ ‏{‏ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ‏}‏ قال‏:‏ من بني إسرائيل‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال‏:‏ هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم‏.‏ وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، قال‏:‏ كانت الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون منهم‏:‏ امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأة خازنه‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، ونعيم بن حماد في الفتن، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين‏}‏ قال‏:‏ لا تسلطهم علينا فيفتنونا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، قال في تفسير الآية‏:‏ لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون‏:‏ لو كانوا على الحق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنون بنا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن أبي قلابة، في الآية قال‏:‏ سأل ربه ألا يظهر علينا عدوّنا، فيحسبون أنهم أولى بالعدل فيفتنون بذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي مجلز، نحوه‏.‏

وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ‏}‏ الآية‏.‏ قال ذلك حين منعهم فرعون الصلاة، فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم، وأن يوجهوها نحو القبلة‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله‏:‏ ‏{‏أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ‏}‏ قال‏:‏ مصر‏:‏ الإسكندرية‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال‏:‏ كانوا لا يصلون إلا في البيع حتى خافوا من آل فرعون، فأمروا أن يصلوا في بيوتهم‏.‏ وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال‏:‏ أمروا أن يتخذوا في بيوتهم مساجد‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن أبي سنان، قال‏:‏ القبلة‏:‏ الكعبة، وذكر أن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً‏}‏ قال‏:‏ يقابل بعضها بعضاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 92‏]‏

‏{‏وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ‏(‏88‏)‏ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏89‏)‏ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏90‏)‏ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ‏(‏91‏)‏ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ‏(‏92‏)‏‏}‏

لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات، وإقامة الحجج البيّنات، ولم يكن لذلك تأثير في من أرسل إليهم، دعا عليهم بعد أن بيّن سبب إصرارهم على الكفر، وتمسكهم بالجحود والعناد، فقال مبيناً للسبب أوّلاً‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا‏}‏ قد تقدّم أن الملأ‏:‏ هم الأشراف‏.‏ والزينة‏:‏ اسم لكل ما يتزين به، من ملبوس ومركوب، وحلية وفراش وسلاح، وغير ذلك، ثم كرّر النداء للتأكيد فقال‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ‏}‏‏.‏ وقد اختلف في هذه اللام الداخلة على الفعل، فقال الخليل وسيبويه‏:‏ إنها لام العاقبة والصيرورة‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال، صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا، فتكون اللام على هذا متعلقة بآتيت؛ وقيل‏:‏ إنها لام كي‏:‏ أي أعطيتهم لكي يضلوا‏.‏ وقال قوم‏:‏ إن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا‏.‏ فحذفت لا كما قال سبحانه‏:‏ ‏{‏يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 176‏]‏‏.‏ قال النحاس‏:‏ ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن، فموّه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله‏:‏ ‏{‏يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ‏}‏، وقيل اللام للدعاء عليهم‏.‏ والمعنى، ابتلهم بالهلاك عن سبيلك، واستدلّ هذا القائل بقوله سبحانه بعد هذا‏:‏ ‏{‏اطمس‏}‏ و‏{‏اشدد‏}‏‏.‏ وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأوّل هو‏:‏ الأولى‏.‏ وقرأ الكوفيون «ليضلوا» بضم حرف المضارعة‏:‏ أي يوقعوا الإضلال على غيرهم‏.‏ وقرأ الباقون بالفتح‏:‏ أي يضلون في أنفسهم ‏{‏رَبَّنَا اطمس على أموالهم‏}‏‏.‏ قال الزجاج‏:‏ طمس الشيء‏:‏ إذهابه عن صورته؛ والمعنى‏:‏ الدعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم، ويهلكها وقرئ بضم الميم من اطمس ‏{‏واشدد على قُلُوبِهِمْ‏}‏ أي‏:‏ اجعلها قاسية مطبوعة لا تقبل الحق، ولا تنشرح للإيمان‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُواْ‏}‏ قال المبرد والزجاج‏:‏ هو معطوف على ‏{‏ليضلوا‏}‏، والمعنى‏:‏ آتيتهم النعم، ليضلوا ولا يؤمنوا، ويكون ما بين المعطوف والمعطوف عليه اعتراضاً‏.‏ وقال الفراء، والكسائي، وأبو عبيدة‏:‏ هو دعاء بلفظ النهي، والتقدير‏:‏ اللهمّ فلا يؤمنوا، ومنه قول الأعشى‏:‏

فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى *** ولا تلقني إلا وأنفك راغم

وقال الأخفش‏:‏ إنه جواب الأمر‏:‏ أي اطمس واشدد، فلا يؤمنوا، فيكون منصوباً‏.‏ وروي هذا عن الفراء أيضاً، ومنه‏:‏

يا ناق سيري عنقاً فسيحا *** إلى سليمان فنستريحا

‏{‏حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم‏}‏ أي‏:‏ لا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به، وعند ذلك لا ينفع إيمانهم‏.‏ وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء، وقال‏:‏ إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم‏.‏ وأجيب بأنه لا يجوز لنبيّ أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحاً عليه السلام بأنه لا يؤمن من قومه إلا من قد آمن، قال‏:‏

‏{‏رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً‏}‏ ‏[‏نوح‏:‏ 26‏]‏‏.‏ ‏{‏قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما‏}‏ جعل الدعوة ها هنا مضافة إلى موسى وهارون، وفيما تقدّم أضافها إلى موسى وحده، فقيل‏:‏ إن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، فسمي ها هنا داعياً، وإن كان الداعي موسى وحده، ففي أوّل الكلام أضاف الدعاء إلى موسى لكونه الداعي، وها هنا أضافه إليهما تنزيلاً للمؤمن منزلة الداعي، ويجوز أن يكونا جميعاً داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أوّل الكلام لأصالته في الرسالة‏.‏ قال النحاس‏:‏ سمعت عليّ بن سليمان يقول‏:‏ الدليل على أن الدعاء لهما، قول موسى ‏{‏ربنا‏}‏ ولم يقل‏:‏ رب‏.‏ وقرأ عليّ والسلمي «دعاؤكما» وقرأ ابن السميفع «دعواكما»‏.‏ والاستقامة‏:‏ الثبات على ما هما عليه من الدعاء إلى الله‏.‏ قال الفراء وغيره‏:‏ أمر بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه، على دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة أربعين سنة، ثم أهلكوا‏.‏ وقيل‏:‏ معنى الاستقامة‏:‏ ترك الاستعجال ولزوم السكينة، والرضا والتسليم لما يقضي به الله سبحانه‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ‏}‏ بتشديد النون للتأكيد، وحرّكت بالكسر لكونه الأصل، ولكونها أشبهت نون التثنية‏.‏ وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي لا على النهي‏.‏ وقرئ بتخفيف الفوقية الثانية من ‏{‏تتبعان‏}‏، والمعنى‏:‏ النهي لهما عن سلوك طريقة من لا يعلم بعادة الله سبحانه في إجراء الأمور على ما تقتضيه المصالح، تعجيلاً وتأجيلاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر‏}‏ هو من جاوز المكان‏:‏ إذا خلفه وتخطاه، والباء للتعدية‏:‏ أي جعلناهم مجاوزين البحر، حتى بلغوا الشط؛ لأن الله سبحانه جعل البحر يبساً فمرّوا فيه حتى خرجوا منه إلى البرّ‏.‏ وقد تقدّم تفسير هذا في سورة البقرة في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 50‏]‏ وقرأ الحسن «وجوّزنا» وهما لغتان ‏{‏فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ‏}‏ يقال‏:‏ تبع وأتبع بمعنى واحد، إذا لحقه‏.‏ وقال الأصمعي‏:‏ يقال‏:‏ أتبعه بقطع الألف، إذا لحقه وأدركه، واتبعه بوصل الألف‏:‏ إذا اتبع أثره أدركه، أو لم يدركه‏.‏ وكذا قال أبو زيد‏.‏ وقال أبو عمرو‏:‏ إنّ اتبعه بالوصل‏:‏ اقتدى به، وانتصاب بغياً وعدواً على الحال، والبغي‏:‏ الظلم، والعدو‏:‏ الاعتداء، ويجوز أن يكون انتصابهما على العلة‏:‏ أي للبغي والعدو‏.‏ وقرأ الحسن «وعدوا» بضم العين والدال وتشديد الواو، مثل علا يعلو علوّاً، وقيل إن البغي‏:‏ طلب الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو‏:‏ في الفعل ‏{‏حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق‏}‏ أي‏:‏ ناله ووصله وألجمه‏.‏ وذلك أن موسى خرج ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده، ففرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل، فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب الآخر، وتبعهم فرعون، والبحر باق على الحالة التي كان عليها عند مضيّ موسى ومن معه، فلما تكامل دخول جنود فرعون، وكادوا أن يخرجوا من الجانب الآخر، انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله سبحانه ذلك ‏{‏قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل‏}‏ أي‏:‏ صدّقت أنه بفتح الهمزة على أن الأصل بأنه، فحذفت الباء، والضمير للشأن‏.‏

وقرئ بكسر إنّ على الاستئناف، وزعم أبو حاتم أن القول محذوف‏:‏ أي آمنت، فقلت‏:‏ إنه، ولم ينفعه هذا الإيمان أنه وقع منه بعد إدراك الغرق كله، كما تقدّم في النساء، ولم يقل للعين‏:‏ آمنت بالله أو بربّ العالمين، بل قال‏:‏ آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلهية‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنَاْ مِنَ المسلمين‏}‏ أي‏:‏ المستسلمين لأمر الله، المنقادين له، الذين يوحدونه وينفون ما سواه، وهذه الجملة إما في محل نصب على الحال أو معطوفة على آمنت‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين‏}‏ هو مقول قول مقدّر معطوف على ‏{‏قال آمنت‏}‏‏:‏ أي فقيل له‏:‏ أتؤمن الآن‏؟‏ وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة‏؟‏ فقيل‏:‏ هي من قول الله سبحانه، وقيل‏:‏ من قول جبريل، وقيل‏:‏ من قول ميكائيل، وقيل‏:‏ من قول فرعون، قال ذلك في نفسه لنفسه‏.‏ وجملة ‏{‏وقد عصيت قبل‏}‏‏:‏ في محل نصب على الحال من فاعل الفعل المقدّر بعد القول المقدر، وهو أتؤمن الآن، والمعنى‏:‏ إنكار الإيمان منه عند أن ألجمه الغرق، والحال أنه قد عصى الله من قبل، والمقصود التقريع والتوبيخ له‏.‏ وجملة ‏{‏وكنت من المفسدين‏}‏ معطوفة على عصيت داخلة في الحال، أي‏:‏ كنت من المفسدين في الأرض بضلالك عن الحق، وإضلالك لغيرك‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ‏}‏ قرئ «ننجيك» بالتخفيف، والجمهور على التثقيل‏.‏ وقرأ اليزيدي‏:‏ «ننحيك» بالحاء المهملة من التنحية، وحكاها علقمة عن ابن مسعود؛ ومعنى ‏{‏ننجيك‏}‏ بالجيم‏:‏ نلقيك على نجوة من الأرض، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدّقوا أن فرعون غرق، وقالوا‏:‏ هو أعظم شأناً من ذاك، فألقاه الله على نجوة من الأرض، أي‏:‏ مكان مرتفع من الأرض حتى شاهدوه‏.‏ وقيل‏:‏ المعنى‏:‏ نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر، ونجعلك طافياً ليشاهدوك ميتاً بالغرق، ومعنى ‏"‏ ننحيك ‏"‏ بالمهملة‏:‏ نطرحك على ناحية من الأرض، وروي عن ابن مسعود أنه قرأ «بأبدانك»‏.‏

وقد اختلف المفسرون في معنى ببدنك، فقيل‏:‏ معناه‏:‏ بجسدك بعد سلب الروح منه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه‏:‏ بدرعك، والدرع يسمى بدناً، ومنه قول كعب بن مالك‏:‏

ترى الأبدان فيها مسبغات *** على الأبطال واليلب الحصينا

أراد بالأبدان‏:‏ الدروع، وقال عمرو بن معدي كرب‏:‏

ومضى نساؤهم بكل مُضاضة *** جدلاء سابغة وبالأبدان

أي بدروع سابغة، ودروع قصيرة‏:‏ وهي التي يقال لها‏:‏ أبدان كما قال أبو عبيدة‏.‏ وقال الأخفش‏:‏ وأما قول من قال‏:‏ بدرعك، فليس بشيء، ورجح أن البدن المراد به هنا الجسد‏.‏ قوله‏:‏ ‏{‏لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً‏}‏ هذا تعليل لتنجيته ببدنه، وفي ذلك دليل على أنه لم يظهر جسده دون قومه إلا لهذه العلة لا سوى، والمراد بالآية‏:‏ العلامة، أي لتكون لمن خلفك من الناس علامة يعرفون بها هلاكك، وأنك لست كما تدّعي، ويندفع عنهم الشك في كونك قد صرت ميتاً بالغرق‏.‏ وقيل‏:‏ المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آية من آيات الله، يعتبر بها الناس، أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك، حتى يحذروا من التكبر والتجبر والتمرّد على الله سبحانه، فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية، واستمرّ على ذلك دهراً طويلاً كانت له هذه العاقبة القبيحة‏.‏ وقرئ «لمن خلفك» على صيغة الفعل الماضي أي‏:‏ لمن يأتي بعدك من القرون، أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه ‏{‏وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا‏}‏ التي توجب الاعتبار والتفكر، وتوقظ من سنة الغفلة ‏{‏لغافلون‏}‏ عما توجبه الآيات، وهذه الجملة تذييلية‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اطمس على أموالهم‏}‏ يقول‏:‏ دمر على أموالهم وأهلكها ‏{‏واشدد على قُلُوبِهِمْ‏}‏ قال‏:‏ اطبع‏:‏ ‏{‏فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم‏}‏ وهو الغرق‏.‏ وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب القرظي، قال‏:‏ سألني عمر ابن عبد العزيز، عن قوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا اطمس على أموالهم‏}‏ فأخبرته أن الله طمس على أموال فرعون وآل فرعون، حتى صارت حجارة، فقال عمر‏:‏ كما أنت حتى آتيك، فدعا بكيس مختوم ففكه، فإذا فيه الفضة مقطوعة كأنها الحجارة والدنانير والدراهم، وأشباه ذلك من الأموال حجارة كلها‏.‏ وقد روي أن أموالهم تحوّلت حجارة من طريق جماعة من السلف‏.‏

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال‏:‏ ‏{‏قد أجيبت دعوتكما‏}‏، قال‏:‏ فاستجاب له، وحال بين فرعون وبين الإيمان‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة قال‏:‏ كان موسى إذا دعا أمَّن هارون على دعائه يقول آمين‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ وهو اسم من أسماء الله، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا‏}‏‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، نحوه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن عكرمة نحوه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، عن محمد بن كعب القرظي، نحوه أيضاً‏.‏ وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال‏:‏ يزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة‏.‏

وأخرج ابن جرير، عن ابن جريج، مثله‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي، عن مجاهد، نحوه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس، فاستقيما‏:‏ فامضيا لأمري، وهي الاستقامة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، قال‏:‏ العدو والعتوّ والعلوّ في كتاب الله‏:‏ التجبر‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال‏:‏ لما خرج آخر أصحاب موسى ودخل آخر أصحاب فرعون، أوحى الله إلى البحر أن انطبق عليهم، فخرجت أصبع فرعون بلا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، قال جبريل‏:‏ فعرفت أن الربّ رحيم، وخفت أن تدركه الرحمة، فرمسته بجناحي وقلت‏:‏ آلان وقد عصيت قبل‏؟‏ فلما خرج موسى وأصحابه قال من تخلّف من قوم فرعون‏:‏ ما غرق فرعون ولا أصحابه، ولكنهم في جزائر البحر يتصيدون، فأوحى الله إلى البحر أن اللفظ فرعون عرياناً، فلفظه عرياناً أصلع أخينس قصيراً فهو قوله‏:‏ ‏{‏فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً‏}‏ لمن قال‏:‏ إن فرعون لم يغرق، وكأن نجاة غيره لم تكن نجاة عافية، ثم أوحى الله إلى البحر أن الفظ ما فيك، فلفظهم على الساحل، وكان البحر لا يلفظ غريقاً في بطنه حتى يأكله السمك، فليس يقبل البحر غريقاً إلى يوم القيامة‏.‏ وأخرج أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أغرق الله فرعون فقال‏:‏ ‏{‏آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيل‏}‏ قال لي جبريل‏:‏ يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة» وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه، وقال‏:‏ حسن صحيح غريب، وصححه أيضاً الحاكم‏.‏ وروي عن ابن عباس، مرفوعاً من طرق أخرى‏.‏ وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ «قال لي جبريل‏:‏ ما كان على الأرض شيء أبغض إليّ من فرعون، فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أغطه خشية أن تدركه الرحمة» وأخرج ابن جرير، والبيهقي، من حديث أبي هريرة مرفوعاً نحوه‏.‏ وأخرج ابن مردويه، عن ابن عمر، مرفوعاً نحوه أيضاً‏.‏ وأخرج أبو الشيخ، عن أبي أمامة، مرفوعاً نحوه أيضاً، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول، وباقي رجاله ثقات‏.‏

والعجب كل العجب ممن لا علم له بفنّ الرواية من المفسرين، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف يتجارى على الكلام في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكم ببطلان ما صح منها، ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي يضحك منه، كل من له أدنى ممارسة لفن الحديث، فيا مسكين مالك ولهذا الشأن الذي لست منه في شيء‏؟‏ ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك، وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه، وحاصلك الذي ليس لك غيره، وهو علم اللغة وتوابعه من العلوم الآلية، ولقد صار صاحب الكشاف رحمه الله، بسبب ما يتعرّض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد، ولا صدر، سخرة للساخرين وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات، وهو لا يدري أنها موضوعات، وتارة يتعرض لردّ ما صح، ويجزم بأنه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما، مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات أثبات حجج، وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه، ولا يدري به أقلّ دراية، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على أمور فيما بينهم، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسيم كتاب الله، وقائله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراويه عنه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وكل حرف من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عامّ، لجميع أهل الإسلام‏.‏

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس، في قوله‏:‏ ‏{‏فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ‏}‏ قال‏:‏ أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في الآية قال‏:‏ بجسدك، قال‏:‏ كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فألقى على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل‏:‏ أحمر قصيراً كأنه ثور‏.‏ وأخرج ابن الأنباري، عن محمد بن كعب، في قوله‏:‏ ‏{‏فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ‏}‏ قال‏:‏ بدرعك، وكان درعه من لؤلؤة يلاقي فيها الحروب‏.‏